ابن هشام الأنصاري

23

شرح قطر الندى وبل الصدى

كل قطعة من هذا الفتات دولة ، وإذا بأس هذه الدول بينهم شديد وإذا الجفاء والبغيضة يحلان محل الإلاف والوحدة ، وإذا مجدهم التليد وحضارتهم الرفيعة وتاريخ هذه الحضارة وعلومها ورجالها في زوايا النسيان ، وقد أخذهم بريق من حضارة الغرب يفتن أبصارهم ، بريق ليس هو بالنور الساطع الذي يبدد غياهب الظلام ، ولا هو بالنور الذي يعقبه ضوء ينتشر في الأفق فإذا الناس يسيرون فيه آمنين ، ولكنه يشبه بريق السراب الخادع الذي تراه فتحسبه شيئا فإذا جئته لم تجده شيئا ، وخدعهم هذا البريق عن حضارتهم وتاريخها وعلومها ولم ينالوا به شيئا ذا بال من حضارة الغرب وعلومها ذات الأثر الفعال في بناء الأمم وتجديدها وبعث الحياة في أوصالها ، وإذا المتعلمون والمثقفون من أبناء هذه البلاد التي كانت مبعث العلم والثقافة أقلية قليلة بقدر ما يحتاج إليه المستعمر في وظائف الدولة التي يزهد رجاله في تقلدها ، وإذا علم هذه الأقلية وثقافتها ضئيلان بقدر ما يجعلها آلات يديرها الاستعمار ويحركها في أهوائه ، تسير إذا أراد أن تسير ، وتقف كلما أراد لها الوقوف . ولأمر أراده اللّه ، ولم تكن للاستعمار فيه يد ، بقي معدن هذه البلاد وأهليها سليما نقيا صالحا للعمل إذا نفض عنه الغبار وأزيل ما علق به من الصدإ وجلي جلاء يعيد له أصالته ونفاسته ، وبقي - مع ذلك - من أهل البلاد جماعة لم تلن قناتهم ، ولم تتحطم أعوادهم ولم تفتر عزائمهم ولم يخدعهم ذلك البريق ، ولكنهم تطامنوا للعاصفة الهوجاء وقبعوا في أماكنهم - لا ضعفا ولا استكانة ، ولا رهبة ولا خوفا ، ولا رضا بما عليه الناس من حولهم - ليعدوا أنفسهم وليهيئوا الجو الصالح ، وليبصروا قومهم في حذر وترقب حتى إذا اكتمل الوعي وجاء وعد الانتفاضة هبوا فإذا الناس يهبون معهم من كل جانب ، وإذا معدن الشرق الأصيل الكريم يظهر على حقيقته ، وإذا أبناء الشرق جميعا يتقدمون للعمل وينتظرون التوجيه ، وإذا الاستعمار يتخاذل ويستخذي ويتضاءل ثم إذا هو يضع عصاه على كتفه ويحاول النجاء . ويتلفت المصلحون وينظرون فيما يعيدهم أمة قوية حية ناهضة عزيزة مرهوبة الجانب فيجدون أن لا مناص لهم من العودة إلى الماضي المجيد يصلون به حاضرهم ويبنون عليه مستقبلهم ، الماضي المجيد بوحدته التي تصمد وتتعاون وتتساند وتتكافل ويكون معها الجميع كجسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر